ابن سبعين

12

رسائل ابن سبعين

يقتضيه . لقلنا : هذا طمع في غير مطمع ؛ فإن هذا بعيد المدرك ، وعر المسلك ، يستمد من تيار بحار التوحيد ، ومن لم يحط علما بنهايات الحقائق لم يتحصل من دلائل التكفير على وثائق . وكان لسان حال أهل التوحيد من الأكابر يقول : تركنا البحار الزخرات وراءنا * فمن أين يدري النّاس أين توجّهنا « 1 » وكان أبو المحاسن الروياني وعلماء بغداد قاطبة يقولون : لا نكفّر أحدا من أهل المذاهب المختلفة ؛ لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من صلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فله ما لنا ، وعليه ما علينا « 2 » » . وقد سأل الشيخ شهاب الدين الأذرعي : سيدنا ومولانا شيخ الإسلام تقي الدين السبكي رحمه اللّه عن تكفير أهل الأهواء والبدع فقال : اعلم يا أخي أن كل مؤمن يستعظم الأمر بالتكفير ؛ لأنه أمر هائل عظيم الخطر . وهو كما قال اللّه : وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ . أو من كفّر إنسانا فكأنه أخبر عنه أن عاقبته في الآخرة العقوبة الدائمة أبد الآبدين ، وأنه في الدنيا مباح الدم والمال ، لا يمكّن من نكاح مسلمة ، ولا يجر عليه أحكام أهل الإسلام في حياته وبعد مماته . واعلم يا أخي أن الخطأ في ترك ألف كافر أهون عند اللّه من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم . وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لأن يخطي الإمام في العفو أحب إلى اللّه من أن يخطئ في العقوبة « 3 » » . وفي الأثر : « إن اللّه تعالى أوحى إلى داود عليه السّلام لما سأله أن يبني بيت المقدس أنه لا يبني بيتي من سفك الدماء ، فقال داود عليه السّلام : يا ربّ ؛ ألم يكن ذلك في الجهاد في

--> ( 1 ) من كلام الشيخ الأكبر قدّس سرّه . ( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 153 ) ، والنسائي في الكبرى ( 7 / 76 ) ، والطبراني في الكبير ( 2 / 162 ) ، وابن أبي شيبة في المصنف ( 6 / 428 ) . ( 3 ) رواه الترمذي ( 4 / 33 ) ، ومالك في الموطأ ( 3 / 76 ) ، والدارقطني في السنن ( 4 / 84 ) ، وابن أبي شيبة في المصنف ( 5 / 512 ) .